مصطفى صادق الرافعي

233

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

النفس ، وكأن الجملة تخلق في منطقه صلّى اللّه عليه وسلم خلقا سويا ، أو هي تنزع من نفسه انتزاعا ، وهذا عجيب حتى ما يمكن أن يعطيه امرؤ حظه من التأمل إلا أعطاه حظ نفسه من العجب ، وإنما تمّ في بلاغته صلّى اللّه عليه وسلم بالأمر الثالث . ( 3 ) وهو الاستيفاء ، الذي يخرج به الكلام - على حذف فضوله وإحكامه ووجازته - مبسوط المعنى بأجزائه ليس فيها خداج « 1 » ولا إحالة ولا اضطراب حتى كأن تلك الألفاظ القليلة إنما ركبت تركيبا على وجه تقتضيه طبيعة المعنى في نفسه ، وطبيعته في النفس ؛ فمتى وعاها السامع واستوعبها القارئ ، تمثل المعنى وأتمه في نفسه ، في حسب ذلك التركيب ، فوقع إليه تاما مبسوط . الأجزاء ، وأصاب هو من الكلام معنى جموما « 2 » لا ينقطع به ولا يكبو دون الغاية ، كأنما هذا الكلام قد انقلب في نفسه إحساسا لنظر معنوي . وهذا ضرب من التصرف بالكلام في أخلاق النفوس الباطنة التي تذعن لها النفوس وتتصرف معها ، وقلما يستحكم لامرئ إلا بتأييد من اللّه وتمكين من اليقين والحجة فهو على حقيقته مما لا تعين عليه الدّربة والمزاولة إلا شيئا يسيرا لا يستوفي هذه الحقيقة ، ولا يمكن أن تجعله المزاولة فيمن ليس من أهله كما هو في أهله ، ولأمر ما قال أفصح العرب صلّى اللّه عليه وسلم « أعطيت جوامع الكلم » وفي رواية « أوتيت » وكان يتحدث في ذلك بنعمة اللّه عليه ، فما هو اكتساب ولا تمرين ، ولا هو أثر من أثرهما في التفكير والاعتبار ، ولا هو غاية من غايات هذين في الصنعة والوضع ، إنما هو ( إعطاء وإيتاء ) فمن لم يعط لم يأخذ ، ومن لم يأخذ لم يكن له من ذلك كائن ولم تنفعه منه نافعة . ولاجتماع تلك الثلاثة في كلامه صلّى اللّه عليه وسلم وبناء بعضها على بعض ، سلم هذا الكلام العظيم من التعقيد والعيّ والخطل والانتشار وسلمت وجوهه من الاستعانة بما لا حقيقة له من أصول البلاغة : كالمجاز البعيد الذي يغوص إلى الأعماق الخيالية ، وضروب الإحالة ، وفساد الوضع المعنوي ، وفنون الصنعة ، وما إليها مما هو فاش في كلام البلغاء ، يعين جفاء البداوة على بعضه ، ورقة الحضارة على بعضه ، وهو في الجهتين باب واحد . ولذلك السبب عينه كثر في البلاغة النبوية هذا النوع من الكلم الجامعة التي هي حكمة البلاغة ، وهو غير ذلك النوع الذي قلنا فيه ، مما تكون غرابته من تركيب وضعه في البيان ، ثم هو أكثر كلامه صلّى اللّه عليه وسلم وسلم كقوله :

--> ( 1 ) أي نقصان ، وأصله أن تخدج الناقة أو نحوها من ذوات الظلف والحافر فتلقي ولدها لغير تمام الحمل فيجيء ناقص الخلقة . ( 2 ) نقلناه من قولهم : فرس جموم ، إذا كان قويا ، كلما ذهب منه جري جاءه جري جديد .